محمد طاهر الكردي

280

التاريخ القويم لمكة وبيت الله الكريم

ولما جاء الإسلام أغفل ذلك لبداوة العرب ، وكانوا يتعاملون بالذهب والفضة وزنا ، وكانت دنانير الفرس ودراهمهم بين أيديهم ، يردونها في معاملتهم إلى الوزن ويتصارفون بها بينهم ، إلى أن تفاحش الغش في الدنانير والدراهم لغفلة الدولة عن ذلك . وأمر عبد الملك الحجّاج ، على ما نقل سعيد بن المسيب وأبو الزناد ، بضرب الدراهم وتمييز المغشوش من الخالص وذلك سنة أربع وسبعين ، وقال المدايني سنة خمس وسبعين : ثم أمر بصرفها في سائر النواحي سنة ست وسبعين ، وكتب عليها « اللّه أحد اللّه الصمد » ، ثم ولّي ابن هبيرة العراق ، أيام يزيد بن عبد الملك ، فجود السكة ، ثم بالغ خالد القسري في تجويدها ، ثم يوسف بن عمر بعده . وقيل : أول من ضرب الدنانير والدراهم مصعب بن الزبير بالعراق ، سنة سبعين بأمر أخيه عبد اللّه ، لما ولي الحجاز ، وكتب عليها في أحد الوجهين « بركة اللّه » وفي الآخر « اسم اللّه » ، ثم غيرها الحجّاج بعد ذلك بسنة وكتب عليها اسم الحجاج ، وقدّر وزنها على ما كانت استقرّت أيام عمر ، وذلك أن الدرهم كان وزنه أول الإسلام ستة دوانق ، والمثقال وزنه درهم وثلاثة أسباع درهم ، فتكون عشرة دراهم بسبعة مثاقيل . وكان السبب في ذلك أن أوزان الدرهم أيام الفرس كانت مختلفة ، وكان منها على وزن المثقال عشرون قيراطا ومنها اثنا عشر ومنها عشرة ، فلما احتيج إلى تقديره في الزكاة أخذ الوسط ، وذلك اثنا عشر قيراطا . فكان المثقال درهما وثلاثة أسباع درهم ، وقيل : كان منها البغلي بثمانية دوانق ، والطبري أربعة دوانق ، والمغربي ثمانية دوانق ، واليمني ستة دوانق ، فأمر عمر أن ينظر الأغلب في التعامل ، فكان البغلي والطبري وهما اثنا عشر دونقا ، وكان الدرهم ستة دوانق ، وإن زدت ثلاثة أسباعه كان مثقالا ، وإذا نقصت ثلاثة أعشار المثقال كان درهما ، فلما رأى عبد الملك اتخاذ السكة لصيانة النقدين الجاريين في معاملة المسلمين من الغش ، فعين مقدارها على هذا الذي استقر لعهد عمر ، رضي اللّه عنه ، واتخذ طابع الحديد واتخذ فيه كلمات لا صورا . العرب كان الكلام والبلاغة أقرب مناحيهم وأظهرها ، مع أن الشرع ينهى عن الصور ، فلما فعل ذلك استمر بين الناس في أيام الملة ، وكان الدينار والدرهم على شكلين مدورين ، والكتابة عليهما في دوائر متوازية ، يكتب فيها من أحد الوجهين أسماء اللّه تهليلا وتحميدا وصلاة